صبحي الصالح
55
مباحث في علوم القرآن
البشر في هذه الحالات من استيلاء الحزن على قلبه ، واستبداد اليأس بنفسه ، واللّه لم ينهه عن الحزن والحسرات وبخع النفس وضيق الصدر - كما رأينا - إلا لأنّه بشر مثل سائر البشر ، في طبيعته استعداد لجميع هذه الانفعالات النفسية . وقد انتبه إلى هذا المعنى السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى : « وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا » « 1 » فقال : « والآية تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد تسلية ، وإرشاد إلى سنته تعالى في الرسل والأمم ، أو هي تذكير بهذه السنّة وما تتضمّنه من حسن الأسوة إذ لم تكن هذه الآية أول ما نزل في هذا المعنى » ، ثم زاد هذه الفكرة وضوحا بقوله : « ولولا أن دفع الأسى بالأسى من مقتضى الطبع البشري لما ظهرت حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتلو القرآن في الصلاة ولا سيما صلاة الليل ، فربما يقرأ السورة ولا يعود إليها إلا بعد أيام يفرغ فيها من قراءة ما نزل من سائر السور ، فاحتيج إلى تكرار تسليته وأمره بالصبر المرة بعد المرة ، لأن الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له صلى اللّه عليه وسلم من شأنهما أن يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره عند تلاوة الآيات الواردة في بيان حال الكفار ومحاجتهم وإنذارهم » « 2 » . والصورة الثانية لتجاوب الوحي مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم هي - كما ذكرنا - تيسير حفظ القرآن عليه . ومن العلماء من يرى أن « تثبيت فؤاده » المذكور في آية الفرقان السابقة لا يراد منه إلا جمع القرآن حفظا في قلبه « فإنّه عليه السلام كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب ، ففرّق عليه لييسّر عليه حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء ، فإنّه كان كاتبا قارئا ، فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة » « 3 » . وقد أراد ابن فورك « 4 » أن يزيد هذا الأمر تفصيلا وبيانا
--> ( 1 ) سورة الأنعام 34 . ( 2 ) تفسير المنار 7 / 377 - 378 . ( 3 ) البرهان 1 / 231 . ( 4 ) ابن فورك ( بالفاء المضمومة والواو الساكنة والراء المفتوحة والكاف ) هو محمد بن الحسن بن فورك ، ويكنى أبا بكر . من المتكلمين والأصوليين المشهورين . له في معاني القرآن وأصول الفقه -